يعتبر تحقيق الاكتفاء الذاتي خطوة جوهرية في سياسات الدول ، ذلك لما تسهم به هذه السياسة في توفير الأمن الغذائي للسكان وتحصينهم من الأزمات والمشاكل الناجمة عن الهزات الاجتماعية والحروب وغيرها مما يتسبب في ارتفاع أسعار الغذاء في السوق الدولية ، وقد شهدت سنة ٢٠٠٨ أزمة غذاء حادة نتيجة للأزمة المالية التى شهدها الاقتصاد العالمي. وأدت هذه الأزمة إلى ارتفاع كبير في أسعار المواد الغذائية والأدوية وقد عانت الدول التي تعتمد على الخارج في استيراد هذه المواد معاناة كبيرة حيث زادت نسبة النفقات على استيراد الغذاء والدواء بشكل كبير ، وتسبب ذلك في زيادة العبئ على ميزانية هذه الدول.

استطاعت الدول التى حققت نجاحات في سياسة  الاكتفاء الذاتي من تطويع الأزمة وكان تأثيراتها بارتفاع أسعار الغذاء محدودة جدا ، لأنها اتبعت سياسة الاعتماد الذات وتحقيق الاكتفاء الذاتي من احتياجاتها محليا وعبر أيادي وطنية وفق سياسات قوية وفعالة. ليس هذا فحسب بل إن الاعتماد على المصادر الطبيعية والبشرية الداخلية في تحقيق الاكتفاء الذاتي يشكل حصنا منيعاً للدول في حالة الأزمات وأمام سياسات الابتزاز التى قد تتعرض لها من بعض الدول المنتجة للغذاء.

إن صناعة الوعي بأهمية تحقيق الاكتفاء الذاتي للدول يعتبر أهم خطوة نحو استقلالية هذه الدول وقدرتها على رسم مستقبل أكثرا أماناً لها ولشعبها.

كيف نحقق الإكتفاء الذاتي؟

هناك مجموعة من الأسس والقواعد التى يجب اعتمادها من طرف الدولة الراغبة في تحقيق الإكتفاء الذاتي الوطني من هذه الأسس بناء اقتصاد مستقل غير مدين ولا يعتمد على سياسات المنح والمساعدات الخارجية، إن قدرة الاقتصاد على النمو والتطور بعيداً عن الديون الخارجية هو مؤشر قوي على قوة الاقتصاد واستقلاليته ، ومن بين الأسس التي تساعد على تحقيق الإكتفاء الذاتي أيضا ما يعرف بسياسة “التنويع” وهي قدرة الدولة على توزيع مصادر الدخل من القطاعات الأكثر انتاجاً نحو القطاعات الأقل انتاجاً من أجل دعم هذه الأخيرة ومساعدتها على التحسين في أدائها للمساهمة في تحقيق أهداف النمو الاقتصادي.

إن الاختلال الذي يسببه عدم اتباع استراتيجية “التنويع” يسبب خللا في اقتصاد الدولة ينتهي بما يعرف ب “Dutch Disease ” وهو أحد الاختلالات التى تصيب الاقتصاد وتنهكه. كما تشمل الأسس التي يقوم عليها بناء الإكتفاء الذاتي القدرة على الاستفادة من الموارد الطبيعية للدولة وذلك من خلال سياسات تشغيل فعالة وقوية إضافة إلى تدفق الاستثمارات في المشاريع التى تعتمد تشغيل الموارد الطبيعية خاصة الأراضي الزراعية.

تجدر الإشارة هنا إلى أن بناء العنصر البشري وتكوينه وتزويده بالتقنيات الحديثة يعتبر عنصراً مهماً في سياسة الإكتفاء الذاتي فالدور التكاملي بين المصادر البشرية والمصادر الطبيعية هو ما يشكل القوة القادرة على تحقيق أهداف السياسات التنموية وفي طليعتها سياسة الإكتفاء الذاتي. وهكذا فإن العقلانية في تسيير الموارد الطبيعية والبشرية يخلق اقتصادا قويا ومتماسكاً وقادراً على الانتاج وتحقيق الاستقلاية للدول.

استطاعت دول عديدة تحقيق الإكتفاء الذاتي في مجال الغذاء والدواء محققة بذلك أحد أهم أهداف التنمية المستدامة ، ومكن هذا الإنجاز هذه الدول من الاعتماد على مصادرها الطبيعية وثروتها البشرية في خلق مشاريع اقتصادية منتجة تسهم في تغطية حاجيات السوق المحلية من المواد الأساسية كما توفر فرص عملاً لقطاعات واسعة من الناس.

إن الاهتمام الذي أولته هذه الدول من خلال سياساتها واستراتيجيتها التنموية التى شملت دعم قوي وفعال للقطاع الخاص حيث يشكل هذا القطاع دوراً بارزاً في تحقيق أهداف استراتيجية الإكتفاء الذاتي. بهذا النجاح حققت هذه الدول مجموعة من الأهداف في طليعتها الاستقلالية عن العالم الخارجي في مجال الغذاء والدواء كأساسيات للحياة ، كما ساهمت مشاريع الإكتفاء الذاتي في خلق قيمة مضافة لاقتصادات هذه الدول ومنحته فرصة تنافسية أقوى.

#أحمد المصري

تعليق واحد

اترك رد

‫شاهد أيضًا‬

أيمن بكري يكتب أُسس التوافق و الخلاف الأسري

بقلم / أيمن بكري  تمعنت كثيراً في الحقب الزمنية المختلفة مقارناً بين سلوكيات العامة في الع…